ما هو السر وراء الانتشار الواسع للزاوية؟
عباس بوغالم ـ اسلام اون لاين
شكل المشهد الصوفي المغربي حاليا من مجموعة من التنظيمات، نذكر منها الزاوية الكتانية، والزاوية التيجانية، والزاوية الريسونية، والزاوية الناصرية، والزاوية الدرقاوية، والزاوية البودشيشية، وغيرها كثير.
ورغم تماثل هذه الطرق والزوايا على مستوى المرجعيات العقدية، فإنها تتباين فيما بينها على مستوى التوجهات التي تسلكها والأدوار التي تقوم بأدائها ضمن الحقل السياسي المغربي؛ فثمة زوايا تتجه نحو التسييس وإبداء مواقفها تجاه القضايا السياسية، سواء كانت ذات طابع داخلي أم لها ارتباط بالأمة العربية والإسلامية، وثمة زوايا تنأى بنفسها عن كل ما له علاقة بالشأن السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر.
فالطريقة الكتانية على سبيل المثال سعت إلى تقديم مرشحين باسمها في انتخابات 1984، ولم يسمح لها بذلك، وهو نفس النهج الذي تنهجه الزاوية الريسونية، حيث تقدمت بدورها للمشاركة في انتخابات 1997، غير أن محاولتها لاقت الرفض نفسه.
وإذا كان المغرب يتميز بالحضور المكثف لمختلف الزوايا والطرق الصوفية فإن الزاوية البودشيشية تعتبر الأكثر حضورا وقوة، ضمن المشهد الصوفي المغربي في الوقت الراهن، وإن كانت تنأى بنفسها عن العمل السياسي المباشر، مع غلبة الطابع التربوي على توجهاتها، فقد أصبح عدد أتباعها يفوق قواعد الأحزاب السياسية، بل وحتى قواعد بعض الجماعات الإسلامية.
فما السر وراء هذا الانتشار والامتداد الواسع للزاوية البودشيشية؟ وما الذي يميزها عن باقي الزوايا؟ وما هي المبادئ التي تقوم عليها؟ وما موقفها من الشأن السياسي؟ وما الذي يميز موقف السلطة السياسية تجاه هذه الزاوية بالذات؟.
الزاوية البودشيشية: المقولات والخيارات
أصبحت الطريقة البودشيشية منذ أربعة عقود من الزمن ظاهرة بالفعل، بالمفهوم السوسيولوجي للكلمة، وأخذت هذه الظاهرة تفرض نفسها على الدارسين والمتتبعين يوما بعد يوم، حتى شكلت في السنوات الأخيرة محورا للعديد من الرسائل والأطروحات فضلا عن المتابعة الإعلامية الواسعة، وذلك بفعل الانضمام المتزايد لأعداد كبيرة من المريدين إليها من مختلف الشرائح، وخصوصا الشباب والمثقفين الكبار من داخل المغرب وخارجه، حيث تجاوز انتشارها وإشعاعها المغرب ليمتد إلى كثير من البلاد الإسلامية وأوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، حيث توجد زوايا فرعية للزاوية البودشيشية يرتادها المريدون ويقيمون فيها شعائر التصوف، ورغم غياب إحصاءات دقيقة عن عدد المنتمين للزاوية إلا أن بعض التقديرات تؤكد أن عددهم يفوق المائة ألف بكثير.
وتحرص الزاوية القادرية البودشيشية على إحياء تجمعات واحتفالات كبيرة، وأنشطة ثقافية متنوعة، حيث يقوم المقر الرئيسي للزاوية بمداغ- قرب مدينة بركان-(شرق المملكة المغربية) باحتضان أنشطة علمية متميزة، وسيفاجأ من يقصد الزاوية الأم خلال شهور الصيف بأن يجد نفسه في شبه جامعة صيفية، فالزاوية في هذه الفترة تكون محجا للأساتذة والطلبة الجامعيين من مختلف الجهات، فضلا عن قيام الزاوية بإصدار مجموعة من المنابر الإعلامية، إضافة إلى مؤلفات المنتمين إليها في التصوف وغيره.
وتشكل مناسبة الاحتفال بعيد المولد النبوي، الذي ينظم سنويا بمقر الزاوية بمداغ، أكبر تجمع جماهيري لمريدي الزاوية، والذي يعكس بشكل جلي مدى الانتشار والامتداد الذي أصبحت تحظى به الزاوية القادرية البودشيشية، وتشكل هذه المناسبة أكبر محج سنوي لأتباع الزاوية الذين يفدون عليها من كل فج عميق.
ويمكن رصد المد الصوفي المتزايد للزاوية في بعض المؤسسات والجامعات المغربية من خلال إشراف بعض أطر الزاوية على وحدات البحث والتكوين في التصوف والزوايا، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لوحدة الخطاب الصوفي في كلية الآداب بالرباط التي يؤطرها المفكر والفيلسوف المعروف طه عبد الرحمن. كما تداولت بعض المنابر الإعلامية خبر تشكيل فصيل محسوب على الزاوية البودشيشية في الجامعة بمدينة مراكش، وهو ما يعكس- حال ثبوته- مؤشرا إضافيا على طرق الزاوية البوتشيشية لمجالات وفضاءات كانت حكرا على الفعاليات السياسية ويؤكد بالتبعية على تحول الزاوية التدريجي من بعدها الروحي الصرف إلى تلمس معالم انتقال نحو الممارسة السياسية، بشكل غير مباشر.
ولعل ما يميز الطريقة القادرية البودشيشية هو استقطابها لفئات عريضة من المثقفين والمتعلمين من الشباب، ومن أوساط جامعية، بالإضافة إلى الأطر الإدارية وأصحاب المهن الحرة، وهو ما يوازيه ويقابله انحصار إشعاع جل الطرق الصوفية الأخرى المنتشرة في المغرب، بل إن الزاوية البوتشيشية نجحت في استقطاب وضمان تعايش مريدين من النخبة المؤلفة من مثقفين على مستوى رفيع (أساتذة جامعيين، مهندسين، كبار الموظفين في الدولة …) ومن ذوي الأصول المتواضعة، ولعل هذا ما يطرح أكثر من تساؤل حول السر في نجاح هذه الزاوية فيما فشلت فيه أغلب الزوايا؟ وبالتالي التساؤل حول ما الذي يميز هذه الزاوية عن باقي الزوايا؟.
الزاوية البودشيشية: التعريف والمبادئ
الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية سنية إسلامية، جمعت الثوابت الحسنى للحق في وصف واحد، كما أنها تسمو إلى تحقيق الغاية القصوى من تكوين الشخصية الإسلامية السوية، جمعا بين ثلاثة عناصر ثابتة أيضا وهي: الفقه والعقيدة والسلوك. بهذه العبارات يعرف أحد مريدي الزاوية الطريقة البوتشيشية، قبل أن يضيف أن الطريقة متكاملة السند في شرف النسب والنسبة.
من جهة النسب فشيخ الطريقة الحالي هو الشيخ حمزة ابن الحاج العباس بن المختار القادري البودشيشي، ولد سنة 1922م بقرية مداغ، إقليم بركان بشرق المغرب، وينتهي نسبه إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني.
ومن جهة النسبة فإن الطريقة تلتقي روحيا عند الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني، فالبودشيشية قادرية نسبا ونسبة.
ولقد اشتهرت الطريقة بلقب البودشيشية نسبة لأحد شيوخ الزاوية، وهو الشيخ المختار بودشيش، حيث اشتهرت الزاوية في عهده في منتصف القرن التاسع عشر بإطعام مريديها وكل من آوى إليها بطعام من الشعير يُنعت في شرق المغرب باسم الدشيشة أو البلبولة في مناطق أخرى، ومنه أخذ مؤسس الزاوية القادر لقبه.
أما على مستوى المقولات النظرية والطريقة والنهج الذي تسلكه، فتعمل البودشيشية على إحياء الممارسة الصوفية كما عرفها المغاربة منذ قرون، جاعلة هدفها الأسمى إحياء الدين في القلوب من أجل إسعاد الإنسان وتنوير طريقه، مع الاحترام الكامل لمعتقدات الغير من الأمم الأخرى.
وترتكز الطريقة البودشيشية للوصول إلى مراميها التربوية على وسيلتين: الصحبة في الله أولا، وذكر الله كثيرا ثانيا. وهي لا تهدف إلا إلى إصلاح القلوب، وهي بذلك تنأى بنفسها عن التدخل في شئون السياسة وتبتعد عن كل احتكاك بالسلطة السياسية القائمة.
وللذكر أهمية كبرى
المزيد