جارودي: الإسلام حي فلا تحنطوه
بهذه الحقيقة يؤكد المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي اعتقاده فيما قال إنه سبب ما لحق بالعالم المسلم من تخلف وانحطاط، مشددا على أن "تطبيق الشريعة أمر معاكس لهذا الخلط واللبس".
جارودي في حواره مع "مدارك" مؤخرا على هامش محاضراته بـ"مجمع الشيخ أحمد كفتارو" بدمشق حاول أن يقارب علل التقليد والبلادة العقلية التي تنفر من مجاراة العصر، مؤكدا أن المتصفين بها هم "مشكلة الإسلام"؛ لأنهم يدخلون إلى المستقبل رجوعا إلى الوراء، بأعين مثبتة على الماضي، معتمدين على تشدقات المفسرين بشأن المشكلات القانونية والفقهية التي كانت تطرح على عهد الأمويين والعباسيين.
ودعا جارودي المسلمين إلى ما نادى به محمد إقبال من قبل، وهو "عدم قراءة القرآن بعيون الموتى"، واصفا من يفعل ذلك بأنهم "أكلة الرماد، الذين بإصرارهم على تحنيط الإسلام الحي يقدمون أكبر الفائدة لأعداء العقيدة".
وفي الحوار أيضا تحدث جارودي عن مستقبل الإسلام ورؤيته له، وعن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب، وعما يسمى "النظام العالمي الجديد".
* بداية كيف ترى مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب؟
- برأيي يجب أن يكون الدين بمنأى عن أي شكل من أشكال الاستغلال والتعصب، خاصة الاستغلال السياسي، فمثلا إذا ذهبنا إلى البلاد اليهودية أو المسيحية أو المسلمة، فالذي يلفت انتباهك أولا هو عقيدة السيطرة.
هذه السيطرة إما أن تكون سياسية أو دينية، وفي معظم الأحيان دينية سياسية مختلطة، بعيدة كل البعد عن أي شكل من أشكال التسامح والتآخي والتصافي، مثال على ذلك إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل السابق، إنه يؤمن بالله والتوراة، الله العادل الذي لا يظلم، والتوراة هي كتابه المرشد إلى هذه العدالة، لكنه بعقيدة السيطرة الدينية والسياسية ينظر إلى تعاليم الله والتوراة على أنه -وبسبب تعاليمها وتوجيهاتها- يتحتم عليه وعلى اليهود كافة طرد كل الفلسطينيين وإبعادهم، أي أنه وبحسب تعاليمه لا يريد أن يكون هناك كنعانيون.
وهذا أيضا ينسحب على الكنيسة الكاثوليكية، خاصة فيما يتعلق بالبابا الحالي في الفاتيكان، إنه يحمل الإنجيل ويؤمن بتعاليم المسيح الداعية إلى المحبة والتسامح والنقاء، في الوقت ذاته الذي يكتب فيه ويلتزم بمعاهدة موقعة في أمريكا من نوع غريب وعجيب.
فقبل سنوات كنت أتلقى جائزة عن أعمالي في إيطاليا، وكان الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان زائرا هناك، وقد صرح ريجان لصحيفة إيطالية بأن لديه عقدا ومعاهدة مكتوبة بينه وبين البابا، معاهدة يلتزم بمقتضاها ريجان كرئيس لأمريكا بمحاربة الشيوعية في بولونيا، مقابل أن يحارب البابا اللاهوتية التي تتزايد في جنوب إفريقيا، هذا النوع من الاتفاقات يجري الآن بين الولايات المتحدة وأوروبا وبين بعض الدول التي تصف نفسها بالإسلامية.
الديموقراطية على الطريقة الغربية
* كيف تنظر إلى مسألة الديمقراطية في الغرب؟
- الديمقراطية تعني حكم الشعب بنفسه ولنفسه، وهذه الديمقراطية لم توجد أبدا حسب رأي "جان جاك روسو" المعتنق الرئيسي لنظرية الديمقراطية، والذي نادى بالثورة الفرنسية، ويرجع ذلك إلى التفاوت في الثروات الذي يجعل من المستحيل "تكوُّن إرادة جماعية"، وغياب الإيمان بقيم مطلقة تجعل الإنسان يحب ما عليه من واجبات بدلا من سيادة قانون الغاب.
ولعل من مفارقات الديمقراطية الغربية أن إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776 اعتبر أن البشر يولدون سواسية، وأن خالقهم قد حباهم بحقوق معينة لا مناص عنها، كحق الحياة وحق الحرية، ولكننا نجد أن الدستور المنبثق عن هذا الإعلان قد أبقى على العبودية ما يقارب القرن من الزمان بعد صدوره.
كذلك فإن إعلان حقوق الإنسان والمواطنة الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789 يؤكد أن جميع البشر يولدون ويعيشون أحرارا ومتساوين في الحقوق، وفي البندين 14 و 15 من هذا الإعلان نجد تحديدا مفاده أنه لا يحق التصويت إلا لأصحاب الأملاك وحدهم، وفي عام 1846 تم إقرار حق الانتخاب للجميع، ولكن فقط للرجال، أما نصف الأمة "وهن النساء" فقد كن على الهامش.
ولدينا مثال نمطي معهود في "إسرائيل"؛ فهي تقدم لنا على أنها مثال للديمقراطية، ولكن في كتاب "الطابع اليهودي لدولة إسرائيل" لمؤلفه Claud Klen، مدير معهد القانون المقارن في جامعة القدس العبرانية، يخبرنا أن القانون الذي أقره الكنيست عام 1970 حين تعرضه لتعريف اليهودي: "يعتبر يهوديا كل شخص مولود من أم يهودية، والذي يعتنق الملة اليهودية، أو الذي لا ينتمي إلى ديانة أخرى"، وهذا معيار عنصري، ومعيار ديني يقودنا بالتالي إلى عصر المحاكم الإسبانية التي كانت تلتزم حتما الدم والتحول إلى الكاثوليكية.
إن الديمقراطية على الطريقة الغربية ليست على الإطلاق حاجزا ضد الطغيان، فهتلر قد انتخب بصورة ديمقراطية من قِبَل 70% من الناخبين في واحدة من أعرق الديمقراطيات الغربية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية نجد أن الديمقراطيين والجمهوريين ليسوا سوى شقيق لحزب أوحد هو حزب المال، ولا يقسمهم سوى الرغبة في تملك السلطة.. إن الخدعة الأساسية التي تبرر كل الجرائم باسم "الديمقراطية" إنما تقوم على أساس من مطابقة ثقافية "لحرية السوق" مع "حرية الإنسان".
* أشرت إلى النظام العالمي الجديد وضرورة التصدي له.. كيف يمكن ذلك؟
- إن تعبير "نظام عالمي جديد" ليس كلمات تقال، إنه خطر حقيقي محدق بنا جميعا، ويجب علينا أن نعي هذا الخطر جيدا، إنه ليس خطرا موجها للدول الفقيرة فحسب، بل حتى الدول الأوروبية تعاني من نتائجه، وحسب إحصائيات الأمم المتحدة نرى أن أكثر من 80% من مصادر الثروات الطبيعية العالمية يسيطر عليها ما مجموعه أقل من 20%، هذا مؤشر أساسي للوضع الاقتصادي.
ثانيا وحسب ما تصدره "اليونيسيف" في نشراتها يلاحظ أن أكثر من أربعين مليون إنسان يموتون سنويا وغالبيتهم من الأطفال؛ وذلك إما بسبب الجوع أو أمراض سوء التغذية، أو نتيجة لبعض الأمراض التي يمكن أن تعالج ويشفى الإنسان منها بسهولة، وألفت إلى أن مجموع الأطفال الذين يموتون خلال يومين في الدول الفقيرة يعادل عدد ضحايا القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما؛ وهذا يعني أن الدول المتقدمة إذا أرادت الاستمرار بتقدمها، ف













