العلمانية الملتحية

كتبهاhassan ، في 29 نوفمبر 2007 الساعة: 09:54 ص

 

العلمانية الملتحية

 

لقد مُنح الناس حريتهم في الغرب فاتجهوا إلى العلمنة الشاملة لأنهم وضعوها في كفة المقارنة مع المسيحية، ولو منح المواطن العربي حريته الكاملة في الاختيار لاتجه إلى التطبيق العملي لدينه بصورة حاسمة.

 

هل تتضمن الشريعة الإسلامية (التي تَجْمع بين عنصرَي المادة والروح) علمانيتَها الخاصة؟

مع أن العلمانية كتأمل أكاديمي فقدت ألَقها التقليدي بسطوة نموذج ما بعد الحداثة الذي يُعتبر امتدادا تطبيقيا لها، والذي كرس العلمنة كأسلوب حياة شامل وفي نفس الوقت أقصاها عن دائرة الاهتمام البحثي المعمق، بسبب عدم قدرتها على مواجهة المحاججة الإسلامية الرصينة، فقد عادت في السنوات الأخيرة إلى دائرة النقاش بعد الانتصارات المتتالية التي حققها التيار السياسي الإسلامي ـ خلال العشرية الأخيرة ـ في كل من مصر وفلسطين والمغرب وتركيا، ويعلم القارئ الكريم انه لو حظي الإسلام السياسي بنفس الفرص التي يحظى بها التيار العلماني لأحرز انتصارات كاسحة في جميع البلدان العربية. فضلا عن أن العلمنة في العالم العربي في غالبيتها غير مصرح بها إعلاميا حفاظا على أكبر قدر من الانتشار الشعبي لرموزها (مثلا: أحزاب "الاتحاد الاشتراكي" و"الحركة الشعبية"..، بل حتى "الاستقلال" ذاته، تقدم تصورات تشترك في عَلمَنةٍ مضمنة في برامجها الانتخابية أو تدبيرها للمؤسسات المنتخبة فيها).

أوروبا البداية..

لماذا نشأت العلمانية في أوروبا؟ الجواب الكلاسيكي يقول: بسبب طبيعة المسيحية التي تضع فصلا بين "ما لله وما لقيصر لقيصر"، وهذا في حد ذاته يخفي العيب الأكبر في المسيحية المحرَّفَة، المسيحية التي عجزت عن مجاراة التطور الأوروبي في مختلف المجالات، خصوصا أيام "الثورات الثلاث" في فرنسا وألمانيا وانجلترا، لقد تخلى الأوروبيون عنها ببساطة لأنهم وجدوا ثوبها يضيق عنهم بمرور الزمن.

رغم أن المقارنة ظالمة للمسيحية نفسها فلابد منها بسبب نزعة التفوق التي يميل الغرب إلى تقمصها:

يقدم الإسلام نفسه الديانة الأصيلة، ويقرر أن المسيحية مجرد مرحلة سابقة منه قبل مجيء الرسول الكريم محمد عليه الصلاة السلام بالشريعة الخاتمة. اليهودية الصحيحة ذاتها مرحلة أخرى سابقة عن المسيحية والإسلام كليهما. كلاهما ـ اليهودية والمسيحية ـ على طرفي نقيض في الموقف من التطبيق الواقعي للعلمانية انسجاما ومخالفة (دعك من التعريف الكلاسيكي: فصل الدين عن الدولة، فالواقع يثبت انه تعريف قاصر إلى حد السذاجة)، بالتالي هناك دولة يهودية ناجحة في فلسطين المحتلة، بينما الفاتيكان مجرد تواجد رمزي أقامه الغرب حتى لا يتم إلغاء المسحية بالكامل.

أعتقد أن العلمانية الغربية التي تغزو العالم العربي الإسلامي استغلت الثغرات التاريخية التي بدأت منذ العهد العثماني، (بدءا من انتشار اللهجات المختلفة البديلة عن الفصحى والتي ساهمت في ابعاد جوهر الإسلام عن معتنقيه، مرورا بالاستعمار بمختلف ألوانه وصولا إلى عصر الانحطاط الحالي الذي تستأ سد فيه الإيديولوجيات الدخيلة). التخلي عن المسيحية جاء في الغرب فعلا إراديا بعد صراع مع التغَول الديني الكنسي الذي كبل العالم الأوروبي عن أي تقدم طوال قرون. أما في العالم العربي إجمالا فالعلمنة ضريبة غفلة تاريخية وتخلف حضاري ساهم في ترسيخها تبني الدوائر الحكومية العربية لها كأسلوب حكم وتسيير يومي. إن العلمانية الآن في وطننا العربي عامة تلعب نفس الدور السلبي المثبط الذي لعبته المسيحية في أوروبا.

المراحل التاريخية الكبرى للعالم الإسلامي والمجتمعات الأوروبية ـ كل على حدة ـ تشهد على أن التبني العام للمسيحية في الغرب ظل عامل تخلف، أما بالنسبة للإسلام عندنا فقد ظل عامل تفوق، نتيجة طبيعية.

لقد وجد الأوروبيون الصراحة الحضارية لتبني العلمانية بشكل معلن مما يضع الشعوب أمام اختياراتها الكبرى، أي إن تبنيها ينبني على استيعاب شعبي عام لحدودها الكبرى وتطبيقاتها في القطاعات العامة للبلد، فالدولة العلمانية تتبنى عددا كبيرا من المهام الأسرية مثل الرعاية والخدمات الاجتماعية، مع ضمان حرية ممارسة التدين دون أي ضغوط ثقافية أو سياسية أو كيفما كانت، ففي فرنسا ـ أكثر الدول الأوروبية علمنة ـ ليست هناك مراقبة للكنائس كما هو عليه أمر المساجد في المغرب مثلا، ـ إلا ما تعلق منها بالجانب الأمني العادي الذي يسري على جميع المؤسسات بصورة متساوية، أما في العالم العربي فغالبا ما يتخذ الأمر أسلوبا غامضا يوظَّف فيه الدين حديقة خلفية يُلجأُ إليها لحل أزمات الأنظمة وورطاتها، (مثال: الفتوى الأخيرة لشيخ الأزهر حول جلد أي صحفي يتعرض للرئيس مبارك بـ"الإشاعات")، في الوقت نفسه يمارَس قدر كبير من الحجْر على الحركات الإسلامية الرشيدة في الوطن العربي، ويتم استهداف التدين من خلال وسائط مختلفة: سينما( انظر إلى فيلم مروك مثلا)، تليفزيون، التعاملات الرسمية للدولة التي تحد من تواجد الدين في الحياة الاقتصادية والإدارية.. التعالم الرسمي للدين الذي يكرس لدى المخيال الجمعي "غباء المتدينين" وفقرهم،( وضعية أئمة المساجد والخطباء تستحق بحثا استطلاعيا ستنتج عنه معلومات مثيرة جدا تختصر ـ في رأيي ـ العلاقة المشوهة لشرائح واسعة من الناس بدينهم.)

لقد مُنح الناس حريتهم في الغرب فاتجهوا إلى العلمنة الشاملة لأنهم وضعوها في كفة المقارنة مع المسيحية، ولو منح المواطن العربي حريته الكاملة في الاختيار لاتجه إلى التطبيق العملي لدينه بصورة حاسمة، وهنا الجواب عن السؤال الذي طرحته في البداية: إن الإسلام لا يتضمن علمانيته الخاصة كتعريف للمصطلح الغربي ولكنه يطرح البديل لها، ففي الإسلام لست مضطرا للاختيار بين التدين الزاهد أو الانسلاخ التام، إنه ـ كشريعة ـ يفرض تكامل الجانبين معا لصنع المسلم المطبِّق، والمبدأ الأساس الذي يستعصي على "المنافسة" هنا تتضمنه الآية: "لا إكْراهَ في الدِّين، قد تبيَّن الرُّشْدُ من الغَيِّ"، حرية التطبيق من عدمه هنا متوفرة بحيث يكتمل الإلغاء التام للعلمانية بتصوراتها الغربية وتكتمل الحرية الفردية في ظل تشريع مجتمعي كامل ودقيق، تمتد اتساعه ليشمل أيضا "المسلم العاصي" و"الذمي" و"الكافر".

أركز منظار النقد على المغرب السياسي.. السنا في قلب علمانيةٍ تتغول في صمت ولكنها لا تستنكف ان ترفع راية الوحيد، انها باختصار علمانية ملتحية.

حســن أردّة

15.11.2007

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر