 |
| الجنرال كيث دايتون |
هذا النص نسخة طبق الأصل لخطاب الجنرال كيث دايتون الذي ألقاه في ندوة SOREF التابعة لمعهد واشنطن في 7 أيار/مايو 2009، تحت عنوان (السلام من خلال الأمن.. الدور الأمريكي في تطوير قوات أمن السلطة الفلسطينية). ويتولى الجنرال دايتون حالياً منصب المنسق الأمني الأمريكي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وقد شغل هذا المنصب منذ العام 2005. ووافق حديثاً على تمديد بقائه على رأس عمله لعامين آخرين.
وفيما يلي النص الكامل لهذا الخطاب.
ليَ الشرف أن أحظى بفرصة التحدث أمام هذا الحضور المتميز. اسمي كيث دايتون، وأنا أتولى رئاسة فريق صغير من الضباط الأمريكيين والكنديين والبريطانيين والأتراك أرسل إلى الشرق الأوسط للمساعدة على إدخال بعض التنظيم على قوات أمن السلطة الفلسطينية. يطلق على هذه المجموعة اسم فريق التنسيق الأمني الأمريكي، واختصاراً (USSC). لكننا في الواقع نشكل جهدا دوليا مشتركا. جميع أعضاء الفريق يتحدث بالإنجليزية، مع تفاوت بسيط في اللكنة.
وآمل في هذه الأمسية أن أشارككم في أفكاري حول المواضيع التالية: السلام من خلال الأمن، ودور أمريكا في بناء قوات أمن السلطة الفلسطينية. ولكن تذكروا، وأنا أواصل كلامي، بأن أمريكا ليست وحدها، بل أيضاً معها كندا، والمملكة المتحدة، وتركيا يعملون على هذه المهمة في الوقت الراهن.
الحديث إليكم حول هذا الفريق، الموجود معظمه هنا الليلة، هو بلا شك نتاج جهد ثمين قام به الباحثون في هذا المعهد. وهذا يذكرني بقصة سمعتها عن ونستون تشرشل. بالمناسبة أنا أحب القصص التي تروى عن تشرشل. وأنبهكم بأني سأروي قصتين في سياق حديثي. تقول الحكاية إنه ذات مرة حاصرت امرأة تشرشل واندفعت نحوه بصوت عال قائلة «سيدي رئيس الوزراء.. ألا يثيرك أن تعلم أنه في كل مرة تلقي فيها خطاباً تمتلئ القاعة وتفيض بالحضور؟».
قال تشرشل، الحاضر البديهة دائماً: نعم سيدتي، هذا يثيرني، لكن كلما غامرني هذا الشعور، يتبادر لذهني لو أنني كنت على حبل المشنقة، بدل أن ألقي خطاباً فسيكون الحشد ضعف ما ترين» [ضحك]. الليلة سأكون مباشراً وصريحاً معكم، بصورة تتلاءم مع جندي خدم بلاده قرابة 39 عاماً. سأخبركم عما هو فريد في فريقنا، وما كنا نقوم به، وما آمل أن ننجزه في المستقبل.
سأتحدث عن الفرص المتاحة وأعرج ملامسا التحديات. سأترك السياسة والسياسات (الإستراتيجيات) لمن هم أكثر معرفة مني بها، فالدول المنخرطة في هذا المشروع قد أرسلت ضباطاً ليكونوا جزءاً من فريق العمل على هذه المهمة، ودعوني أستخدم عبارات يرددها الباحثون في هذا المعهد عن السبب في ذلك: «إن القوانين السارية في لاس فيغاس لا يمكن العمل بها في الشرق الأوسط» وفي حين أن ما يجري في لاس فيجاس يبقى في لاس فيجس، لكنه ليس صحيحاً أن ما يحدث في الشرق الأوسط يبقى في الشرق الأوسط.
ونحن جميعاً في فريق التنسيق الأمني نتشاطر القناعة بأن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو مصلحة وطنية لدولنا على التوالي، وبالتالي للعالم أجمع. دعوني في البداية أعرض بعض المبادئ الأساسية التي أستند إليها في عملي هذا.
أولاً: وكما أسلفت، فإني أؤمن بعمق أن المساعدة على حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني تصب في مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة.
ثانياً: أنا واحد ممن يؤمنون إيماناً راسخاً بحل الدولتين. دولة فلسطينية تعيش بسلام وأمن إلى جانب دولة إسرائيل، وهو الحل الوحيد الذي يحقق الاحتياجات بعيدة المدى لدولة إسرائيل وكذلك أيضاً يحقق طموحات الشعب الفلسطيني. وشكل هذا التوجه، وعلى مدى طويل، عماد سياسة قيادتنا القومية، وأنا أشاركها هذا التوجه.
ثالثاً: دعوني أعلن بشكل واضح وجلي عن قناعتي الراسخة، علماً أنني أقول هذا لأصدقائي الإسرائيليين وبشكل مستمر، بأنه وكما قال الرئيس أوباما في العام الماضي "إن الروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للانفصام لا اليوم، ولا غداً وستبقى إلى الأبد". [تصفيق].
قبل أن أبدأ، أود أن يعلم كل شخص في هذه القاعة أنني أعتبر -وأنا مخلص فيما أقول- أن معهد واشنطن أشهر مراكز الدراسات المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط، ليس فقط في واشنطن، بل في العالم أيضاً [تصفيق]… لم أنته بعد، فأنا أقرأ تقارير المعهد، وأتحدث إلى الأصدقاء والباحثين فيه حول قضايا هامة. العاملون هنا في المعهد قادرون على منحك نصائح تتسم بعمق التحليل واللانحياز. وأنا أعتمد عليها، وأشعر أحياناً أنني قد أفقد البوصلة بدونها.
إضافة لذلك -وبعضكم يجهل هذا- يتميز العاملون في المركز بنكران الذات. السيد مايك أيزنشتات لابد أن يكون موجوداً معنا، هل أنت هنا يا مايك؟ مايك هلا وقفت؟ [تصفيق]، ما لا يعرفه بعضكم ـ لا يا مايك يجب أن تبقى واقفاً [ضحك] هذا أمر ـ ما لا يعرفه بعضكم أن مايك أيزنشتات عقيد احتياط في الجيش الأمريكي، وهو مسئول كبير هنا في المعهد، وقد أنجز مهمة عملية كضابط تخطيط ضمن الكادر العامل معي في القدس [تصفيق]. أريد أن أخبركم أن الحكمة وسعة الاطلاع التي يتمتع بها مايك، قد ساهمت ولا تزال وبشكل فاعل في رسم الخطط الإستراتيجية المستقبلية لنا، ويجب علي يا مايك أن أقول لك إنني فخور بك، والمعهد فخور بك أيضاً، ولك الشكر الجزيل على كل خدماتك [تصفيق].
حسنا، دعونا نبدأ. لقد وصلت إلى المنطقة في شهر كانون الأول/ديسمبر 2005 قادماً من البنتاغون في واشنطن، حيث عملت نائباً لمدير قسم السياسة والتخطيط الإستراتيجي في هيئة الأركان. وقبل ذلك كنت في العراق، مكلفاً بمهمة البحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية. قد يتساءل بعضكم فيما إذا كانت المهمة الموكلة إليً راهناً في الشرق الأوسط هي مكافأة على جهودي المبذولة في العراق أو ربما كانت فكرة لشخص ما استهدف معاقبتي [ضحك]. سيدي الوزير ولفوفتنز لن أطلب منك أن تقول لي أياً منها الأصوب [ضحك].
قبل ذلك كنت ملحقاً عسكرياً في سفارتنا في روسيا. لكن في قناعاتي كنت جندي مدفعية [تصفيق]. شكراً لكم، أنا أقدر هذا [ضحك]. وهذا مهم لأن رجل المدفعية تعلم كيفية «ضبط النيران»، فأنت تطلق الطلقة الأولى بحيث تكون أكثر قرباً ممكناً من الهدف، مستخدماً كافة المعلومات المتوفرة حولك، ثم تطبق تلك المعلومات على الطلقات التالية وتضبط الإحداثيات حتى تصيب الهدف.
هذا ما فعلناه، على وجه التحديد، أنا والفريق في الشرق الأوسط. لقد أصبحنا متعمقين في فهم سياق ودينامية الصراع من وجهة نظر الجانبين، وذلك من خلال التفاعل اليومي معهما على أرض الواقع. وتبعاً لذلك ضبطنا تحديد الهدف. والآن، ظهر إلى الوجود مكتب التنسيق الأمني الأمريكي، في آذار/مارس 2005، كمجهود لمساعدة الفلسطينيين على إصلاح أجهزتهم الأمنية، حيث لم تكن قوات الأمن الفلسطينية تحت سلطة عرفات قادرة على إنجاز التماسك الداخلي، وليس لديهم مهمة أمنية واضحة أو فاعلة.
كانت الفكرة من تشكيل (USSC) فريق التنسيق الأمني الأمريكي، خلق كيان أو جهاز ينسق بين مختلف المانحين الدوليين في إطار خطة عمل واحدة تنهي حالة تضارب الجهود. وتعبئ المزيد من الموارد وتهدئ من مخاوف الإسرائيليين حول طبيعة قدرات قوات الأمن الفلسطينية. وكان على فريق التنسيق أن يساعد السلطة الفلسطينية على تحديد الحجم الصحيح لقواتها وتقديم النصح لها فيما يتعلق بإعادة بنائها وتدريبها وتحسين قدراتها، لفرض حكم القانون وجعلهم مسئولين أمام قيادة الشعب الفلسطيني الذي يخدمونه.
لماذا اختير ضابط أمريكي برتبة جنرال لقيادة عمل كهذا؟.. هناك ثلاثة أسباب، الأول: هو شعور صناع القرار السياسي الكبار أن ضابطاً برتبة جنرال سيحظى بثقة واحترام الإسرائيليين. ضعوا هذا في خانة «نعم». الثاني: هو أن مقام وهيبة الجنرال سيشكل رافعة للتعاون الفلسطيني مع دول عربية أخرى، بإمكانكم وضع هذا في خانة " نعم". والفكرة الثالثة: أن للجنرال نفوذاً أكبر على عملية التداخل بين مختلف الوكالات في الحكومة الأمريكية. اثنان من ثلاثة ليس أمراً سيئاً [ضحك]
حسناً، أين نحن الآن؟، أو من نحن وكيف نتلاءم في السياق الإقليمي؟ وهذا مهم بمعيار ما. وسنكون الليلة "لطفاء" بخروجنا عن السائد والمتبع "لندعكم تعرفون من نكون، لأننا لا نقوم بعمل كهذا في أغلب الأحيان. وكما قلت سابقاً نحن فريق متعدد الجنسيات. هذا مهم. العناصر الأمريكيون يخضعون لقيود السفر عندما يعملون في الضفة الغربية. لكن العناصر الكندية والبريطانية لا يخضعون لمثل هذه القيود.
في الواقع، معظم المجموعة الإنجليزية (ثمانية أفراد) تسكن في رام الله. ومن يعرف منكم شيئاً عن المهام في أعالي البحار يعلم أن الولايات المتحدة لا تفهم أن العيش مع الناس الذين تعمل معهم أمر ثمين. أما الكنديون الذين يتجاوز عددهم ثمانية عشرة فهم منظمين في فريق يدعى محاربي الطريق. ويتنقلون يومياً في مختلف أنحاء الضفة الغربية، يزورون قادة أمنيين فلسطينيين، يطلعون على الأوضاع المحلية، ويعملون مع فلسطينيين ويتحرون الأمزجة على أرض الواقع.
يوفر الكنديون للفريق مترجمين محترفين، وهم كنديون من أصول عربية، وعلى صلة مباشرة مع السكان. الكنديون والبريطانيون هم عيوننا وآذاننا. وعندما ألتقي بقادة أمنيين فلسطينيين أو قادة عسكريين إسرائيليين أحضر معي الكنديين والبريطانيين، وكوننا فريق متعدد الجنسيات مسألة مهمة جداً.
هناك نقطة مهمة أخرى وهي أننا منحنا منذ البداية العمل مع كافة أطراف الصراع باستثناء الإرهابيين. وهذا يعني أننا نتعامل بصورة يومية مع الفلسطينيين والإسرائيليين.. هذا أمر فريد من نوعه في المنطقة (صدقوا أو لا تصدقوا).. في أي يوم قد ألتقي في رام الله وزير الداخلية أو قائد قوات الأمن في السلطة الفلسطينية صباحاً ثم ألتقي بالمدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية بعد ظهر نفس اليوم.
غالباً يزور فريقي وأنا الأردن ومصر، وحتى أنه سمح لنا بالتنسيق مع دول الخليج.. شعارنا هو التحرك إلى الأمام بحرص وتنسيق كامل مع كل الأطراف. سأريكم في بضع دقائق كيف نعمل. نحن أيضاً مرتبطون بشبكة مع كافة المبعوثين في المنطقة العاملين في مجال الصراع العربي الإسرائيلي. فريقي وأنا على اتصال يومي مع مجموعة تدعى (EUPOL COPPS) وهو فريق من رجال الشرطة الأوروبيين، الذين يعيشون هناك وهم مسئولون عن إصلاح الشرطة المدنية الفلسطينية.
ونحن نعمل معهم أيضا بصورة مشتركة على إصلاح النظام القضائي. كذلك نحن على ارتباط وثيق مع جهود ممثل الرباعية الخاص، توني بلير وفريقه. ونحن أيضاً على صلة وثيقة بصديق لي من هيئة الأركان المشتركة العميد بول سيلفا، في القوى الجوية الذي يتابع ويراقب خارطة الطريق ويرسل تقاريره مباشرة إلى وزيرة الخارجية كلينتون. وكذلك نجتمع مع لاعبين دوليين آخرين في المنطقة في سياق عملية التنسيق التي تتراوح بين الاتصال بالدول كل على حدة وبالمنظمات غير الحكومية وموظفي الأمم المتحدة.
لكن ربما ما هو أكثر أهمية حول من نحن هو أننا نعيش في المنطقة. نحن لم ننزل بالمظلة لبضعة أيام ثم نعود إلى الوطن. بل نبقى ونقيم هناك في منطقة حيث يشكل فهم الحقيقة على أرض الواقع وبناء علاقات مع مختلف الأطراف حجر الزاوية في إنجاز عمل ما، يجب استثمار الوقت، وقد فعلنا ذلك.
كنت بعيداً عن الوطن، كما سمعتم، لأكثر من ثلاثة أعوام ونصف. وطاقم عملي يمددون إقامتهم وأحياناً تزيد مدة إقامتهم عن إقامتي. وإذا ما ذهب أحدهم إلى القنصلية الأمريكية في القدس في آخر الليل أو في عطلة نهاية الأسبوع؛ فسيرى بعض الأضواء في البناء. وغالباً ما يكون هؤلاء رفاقي. وأظن أن دزرائيلي هو القائل: «سر النجاح هو الثبات والإصرار على الهدف».
لذا دعوني أتحدث قليلا عن التاريخ ونحدد إلى أين وصلنا منذ آذار/مارس 2005. كان الجنرال كيب وارد أول قائد لفريق الأمن الأمريكي، وكانت مهمته البدء بعملية تدريب وتجهيز قوات الأمن الفلسطينية. لكن مهمته تعطلت، صراحة، بعملية الفصل الإسرائيلي الأحادي في قطاع غزة عام 2005. ولم يقم بأي عمل على صعيد مهمته.
وعندما انتقلت القيادة إليً في كانون الأول/ديسمبر 2005، قال لي «حظاً سعيداً». وقليلاً كان تقديري لحجم الحظ الذي كنت بحاجة إليه، ذلك لأنه بعد شهر ربحت حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وتغيرت مهمتي بين ليلة وضحاها. وخلال الثمانية عشر شهراً التالية واجهنا وضعاً من اثنين: إما حكومة «حمساوية» في الأراضي المحتلة أو حكومة وحدة على رأسها شخص من حماس.
ونتيجة لذلك، ركزنا نشاطنا التنسيقي الدولي على المساعدة بالنهوض باقتصاد غزة، وعلى نطاق واسع من خلال التنسيق مع إسرائيل ومصر والفلسطينيين على المعابر الرئيسية، وتحديداً في معبري رفح وكارني. ونسقنا أيضا المساعدة التدريبية التي قدمها الكنديون والبريطانيون للحرس الرئاسي الفلسطيني الذي كان يدير تلك المعابر الحدودية.
ولأن الحرس الرئاسي يقدم تقاريره مباشرة إلى الرئيس عباس، وليس خاضعاً لنفوذ حماس أُعتبروا أطرافاً في اللعبة. لكن كافة قوى الأمن الأخرى عانت كثيراً من إهمال حماس لها، وعدم دفع رواتبها، واضطهادها، وفي الوقت نفسه واصلت حماس بناء قوات أمن خاصة بها بدعم سخي من إيران وسوريا. في حزيران/يونيو 2007، كما أعتقد أنكم تعرفون، قامت حماس بانقلاب في قطاع غزة ضد قوات أمن السلطة الفلسطينية الشرعية.
وهكذا أط
|