حسـن أردّة
ان كنت ستلبس "عباءة" الصّحابي فلا خير من يوم الجمعة، يوم اسلامي في شهر اسلامي، هل كان عنادا؟
ـ اتعتقد ان كثافة الامكانيات المتاحة تعطيك فُرص التأكد من صحة ما تميل اليه؟ هل ينسجم هذا واسلوب عيشنا اساسا؟
هكذا قالت "رُؤى" باحتجاج ناعم.
وكنت قد وضعت السهر المتأخر وجلسات أبخرة المقاهي ومشاكلي مع ولاعات السجائر وجدلي المتواصل حول الوجود، على لائحة ملغياتي، قلت لها وانا اعينها على غسل الاطباق، متجاهلا اسلوبها اللبق في رفض الفكرة:
ـ لم يبق امام عجوزين مثلنا سوى مساحة كبيرة من الوقت المتاح، فليكن الصواب والخطأ تمرينا جيدا؟
قلبت شفتها التي لا تزال على بصمتها الاثيرة في فمي، وقالت باستسلام:
ـ لا اذكر اني تمكنت من اقناعك ابدا الا ذات يوم حين قررت خطبتي.
رغما عني ضحكت منتشيا :
وعينيك ليكونَنّ يوما لنا..
وكنت قد هيأت اموري: وقت فارغ وصيفٌ ومنزلٌ شاطئيّ أمارس فيه ـ مؤقتا ـ واقعي الحقيقي كبشريّ بعيدا عن تأثيرات الضجيج وشبكات المعارف الثقيلة. فمدّدت سويعات أوْرادي ووطّنت النفس على التزام اكاديمي، ومن حسنات رمضان أني بدأته مهتما بقضية واحدة: التغييــر، هل هي موجة مجتمع بكامله تؤثر بي أم استقاظة عجوز لا يزال في قلبه بقية من يقين.
عشتَ ملحداً وستمُوت مؤمِناً! كما يفعل الفنانون قبل اعتزالهم.
ـ هكذا مازحني عباس مُهاتفا، ولم تتقبل جديتي مزاحَه فأنهيت المكالمة مودعا وأغلقت الهاتف منذئد،
لا اريد اي تشويش!
و"رؤى" لا تنكر الأثر الجديد، تقول وهي تشد رداء رأسها فوق اذنيها:
ـ لا أذكر اني رأيتك بمثل هذا الحبور من قبل.
فأقول بفخر:
ـ اعتقد اني تمكنت اخيرا من عتق ذهني من قيود نتائج التجارب الفاشلة.
صمتَتْ لحظة كأنها تسترجع تاريخنا:
يبدو ان هناك فرقا بين تفكيرك وقتَ كنت تدخن سيجارة وبين ما تكتشفه وانت صامت فوق السجادة.
ـ في النهاية ما نحن الا نتاج ما نفكر فيه.
سألت:
ـ ما الذي يجعلنا ما نحن عليه؟ ما الذي يصنع اختلافاتنا؟
فكرت قليلا:
ـ النص القرآني يقول ان هذا احد اهداف خلق البشر: الاختلاف، رغم ان هذا لا يرضينا.
وسهمت كأنها لم تسمع تعليقي:
ـ كيف نجزم بأن ما نعرفه هو الحقيقة؟ هل يملك عقلنا الادوات السليمة الكافية للثقة في هذا؟
قلت مستمتعا بلعبة اسناد جوابي لنص إسلامي:
ـ هناك حديثٌ نبوي يذكر ان للمجتهد اجرا اذا اخطأ، اعتقد ان كل ذي عقل هو مجتهد بصورة ما من الصور.
ومرة اخرى اتذكر عباس،
رجل خارج التصنيف، رجل يعيش "لهوا" جاداً. مغرق في الاستهانة بكل شيء، وهو من قال لي مسرورا متهكما اول رمضان:
ـ انا سعيد جدا لانكم لا تتضايقون من صراحتي: انا افطر رمضان وسأبقى افطره الى أن يرث ربك الارض او ارثها انا.
قلت له بعناد مازح:
ـ سترثها انت بالطبع: فالملائكة تقبض ارواح المؤمنين قبل نفخ الصور. وارجو ان تجد بقية من اوكسيجين، فالعالم يفسد تحت اعينك ايها "الشاب" كما ترى..
فمسَّد شعره الاشيب وجمّد ملامحَه الشبيهة بوجه سلحفاة رزينة:
ـ اذا كان إلَهك يبني على صومي او افطاري قرار النعيم او السعير فلا افهم هدفه من خلقي؟
وأيقظني صوت المؤذن للعشاء من عادة اجترار حوارات "البطاريات الفارغة". كان علي ان اتذكر مرة اخرى ان الجماعة شرط الصلاة. يخيل الي أن فرض الجماعة جوهر ما في العبادةالاسلامية، ان حظ النجاح في اي عمل يتضاعف عشرات المرات عند كل زيادة في عناصر الفريق. وجو الخشوع والسكينة يبعث في الصفوف المستوية طاقة تزيد او تنقص بحالات الحاضرين ونفسياتهم وهمومهم وطبيعة علاقاتهم ، لكن اساسا بنوعية التأثير الذي يخلقه الامام (قائد الفريق)! كل هذا يؤثر في قوة التركيز، حالة شبيهة بكتيبة جنود في تداريبها اليومية.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ